الأربعاء 19 يونيو 2024

التفاح الحبارى كامله

موقع أيام نيوز

يحكى أنّ امرأة شابّة تزوّجت ولم يرزقها الله بذريّة ،وكان هذا سبب تعاستها وحزنها ،وكانت كثيرا ما تقف في النافذة تشاهد أبناء جاراتها يلعبون في الزقاق ويصيحون بمرح ،وتحس بدموعها تنزل حارّة على خدّها،فهي تعرف أنّ زوجها قد نفذ صبره ، وقد تجد نفسا في يوم من الأيّام مع ضرّة تقاسمها دارها ،وهذا ما لا يمكن أن تقبله أبدا..ذهبت إلى العراّفين، وقدّمت النّذور للأولياء الصّالحين ،لكن شاء الله أن لا تتحقق رغبتها ،ولم يبق لها إلا الدّعاء كلّما تنهض كلّ صباح .في أحد الأيّام لمّا كانت تطلّ من النّافذة شاهدت عجوزا شمطاء تحمل سلة تفّاح  جميل اللون وهي تنشد :

عنــدي التّفـاح الحـبــاري
شجرتـه في آخر البـراري
ينفخ الرّوح في بطونكنّ
وينجــب للعقيـم الذّراري
غلـمانـا كانـوا أم جــواري
أطـفــال حـبّ كالملائـكة
ببركة الله الواحـد البـاري

تعجّبت المرأة  فهي لم تسمع بهذا التّفاح ،ولم تر هذه العجوز من قبل ،فخرجت إليها ونادتها : يا خالة هل صحيح  كلّ ما تقولين ؟ فأنا لم أرزق أطفالا منذ سنين !!! أجابت العجوز :يا إبنتي إن الله خلق الدّاء والدّواء ،خذي هذه التّفاحة واطبخيها مع العسل والسّمسم ،ثمّ كليها عند إكتمال القمر غدا ،ونامي مع زوجك، بعد تسعة أشهر سيكون لك مولود جميل ،قالت المرأة : يا ليتها تكون بنتا أسمّيها قمر !!! ردّت العجوز ستكون بنتا بإذن الله ،وناولتها تفاحة من سلتها ،نظرت المرأة للتّفاحة الحمراء التي في يدها، وعندما رفعت رأسها إختفت العجوز ،سألت الصبيان الذين كانوا يلعبون أمام الدار أين ذهبت تلك العجوز التي كانت أمام داري ؟ أجابوها لم يكن هناك أحد، علت وجهها الدّهشة ، وقالت : ويحكم !!! من أعطاني التّفاحة إذن ؟

في الغد طبخت تلك التّفاحة كما قالت لها العجوز، ثم تركتها تبرد على الطاولة، وذهبت للحمّام ،وفي تلك الأثناء رجع الزوج منهكا من العمل ،فوجد الصحفة فإعتقد أنّها له وأكل جميع ما فيها ،أحسّ بالشّبع ،وذهب لكي ينام . عندما رجعت المرأة لم تجد شيئا ،فلطمت وجهها ،وبكت ،ثم إستغفرت الله ،وقالت :كل شيئ قسمة ونصيب ، لعل في ذلك خير !!! ثم من أدراني أنّ تلك العجوز تقول الصّدق ؟
بعد شهر ظهر على الرّجل ورم في جنبه، أخذ يكبر مع الوقت إلى أن أصبح بحجم البطيخة ،وحار الأطباء في علاجه ،ولم يعد يقو على الحراك ،في أحد الأيام إسيتدعى الحلاق وطلب منه أن يجرح الورم ويفكّ عنه الدّم ،وما إن جرحه حتى خرجت منه رضيعة ،وكان الشّباك مفتوحا فدخلت حدأة ، واختطفتها ،وطارت بها إلى شجرة عالية ،ووضعتها في عشها ،وبدأت تسرق لها الحليب والملابس من ضيعة مجاورة ،ولما كبرت قليلا أطعمتها من الفرائس الصغيرة التي تصدادها من الجبل، مع الأيام أصبحت الرضيعة صبية فاتنة الجمال ،وحذرتها الحدأة من النزول، فلن يمكنها بعد ذلك الصعود ،وعلى الأرض فالمخاطر لا حصر لها، وخصوصا في الليل لمّا تخرج الذئاب والخفافيش للصّيد .
وعدتها قمر أن لا تفعل فهي تحب العيش على الأشجار، تقفز من غصن إلى غصن ،وتمرح مع العصافير ،وتغني معها . مضى ردح من الزّمن ،وجاء النّاس وسكنوا قرب الشّجرة ،وكانت تسمع صياح البنات وهن يلعبن، ويجرين في المروج، ويقطفن الزّهور ،وتشمّ رائحة الطعام المتصاعد من القدور ،وكانت تتمنّى أن تنزل ويكون لها صديقات وتفعل مثلهنّ ،وتشبع من الطعام السّاخن ،لكنّها في كلّ مرّة تتذكّر تحذير أمّها الحدأة .
ذات يوم ،جاءت امرأة ،وجلست تحت الشّجرة لتزيّن أحد العرائس ، كانت قمر تنظر إلها بإهتمام ،وأعجبتها النّقوش التي عملتها على يدي العروس، وعندما إنتهت، أعطتها قطعة فضّية  أجرتها ،ثمّ إنصرفت في حال سبيلها. كان في العشّ الكثير من قطع الفضّة التي سرقتها الحدأة من الدّيار ،فأخذت واحدة، ونادت المرأة من فوق الشّجرة : يا خالة أريدك أن تزيّنيني مثل تلك العروس!!! هل يمكنك ذلك ؟ رفعت المرأة رأسها ،و،شاهدت بنتا  صغيرة بين الأغصان ،فسألتها :هل لديك مال ؟ فرمت لها القطعة، .فأجابتها حسنا !!! إنزلي ،فأنا لا يمكنني الصّعود إليك ،تردّدت قمر قليلا ثمّ نزلت إليها. 
كان ذلك أوّل مرّة تلامس فيها قدماها الأرض ،فجلست وزيّنتها ،وهي تتعجّب لجمالها الفتّان وعينيها السّاحرتين كأنّهما كوكبان من السّماء ،لمّا إنتهت المرأة من عملها ،أرادت قمر الرّجوع، لكنها لم تتمكّن من تسلّق الشّجرة الشّاهقة ،حاولت كم مرّة، لكنّها لم تنجح، جلست تحتها تبكي إلى أن رجعت الحدأة ،ولمّا رأتها ڠضبت ڠضبا شديدا ،وصړخت في وجهها : لماذا لم تسمعي كلامي ؟ لمّا كنت صغيرة لم يكن من الصعب حملك، أمّا الآن فلقد كبرت وأصبح ذلك متعذرا ،الآن ستهيمين على وجهك في أرض الله ،ولن أكون قربك لمساعدك ،هيا إرحلي من هنا قبل أن يتفطّن القرويّون لوجودي، ويعرفون أنّني من كنت أسرق حاجياتهم وأرمي بها في عشّي ...

كانت قمر تأمل أن تسامحها أمّها الحدأة، لكنها أصرّت على موقفها ،وقالت :أنا لا ألومك ، أعرف أنّه سيأتي اليوم الذي تريدين فيه العيش كالبنات في مثل سنّك، لقد كنت تنظرين إليهنّ كلّ الوقت،لم يترك النّاس مكانا إلا وجائوا إليه ،تبّا لهم  !!! أيقنت البنت أن عليها أن ترحل ،فسارت لا تدري أين تسوقها قدماها ،تناثرت دموعها ،وبدأت تغنّي :

آه  .. كم أنت يا دهر قاسې
اشتهت وجودي أمّي
لكن حملني في جنبه أبي
الحدأة على جناحيها خطفتي
وعلى شجرتها رمتني
لا أحد مثلي .. حبيسة سجني
الآن .. فقدت الأمان
أحسّ طعم المرارة في حلقي
فقد زاد للعشّ شوقي

بعد أيّام عانت فيها من الجوع والبرد رأت ڼارا من بعيد ،وإذا بأعراب يذبحون جملا صغيرا ،ويسلخونه ،ثم طبخوه ،وعنما شبعوا تركوا ما تبقى للكلاب ورحلوا ،تنافست البنت  معهم ،وأخذت عظما لا يزال فيه شيء من لحم وشحم أكلتهم ،ومصّت مخّ العظم ،فرجعت إليها نفسها ،ثم جفّفت جلد الجمل في الشمس وألصقت فيه الرّأس، وكلّما رأت أحدا وضعته على ظهرها ،وكانت تلك الأرض مليئة بالكمأ ،فكانت تحفر الأرض، وتستخرجها ،و تأكلها. وفي أحد الأيام مر بها رجال يسوقون قطيعا من الجمال، ولما توقفوا للرّعي وضعت الجلد ،ودخلت وسط الجمال، وقالت في نفسها : عندما نقترب من أحد القرى أو المدن فسأهرب دون أن يلاحظني القوم ،وملأت صرّة من الكمأ ،وحملتها معها ،والجميع كانوا يرونها ويعتقدون أنها جمل ،فلقد كانت تقلدهم في كلّ شيئ حتّى في أصواتهم ،وحركاتهم .

واصلوا السّير حتى بلغوا بستانا كبيرا يملكه السلطان ،وكان فيه أصناف الثمار و التمر ،كانت تأكل من الأشجار ما يطيب لها ،لكنها لا تنزع الجلد،فلقد كانت تخشى أن تفطن إليها الكلاب وتفضح سرّها ،وذات ليلة شوى الحارس لحما وأعد خبزا ،وكانت البنت تراقب وإشتهت أن تأكل منه ،فأحدثت ضجّة ولمّا قام لينظر  ما الأمر أخذت طعامه وإختفت عن الأنظار،رجع الحارس وعندما نظر إلى الطبق وجده فارغا ،فأخذ يسبّ ويلعن، وقال:  لعله أحد الكلاب إنفك عنه قيده أو قطّ تسلل إلى البستان ،لكن جميع الكلاب كانت مربوطة ولا وجود لقطط ،ولا حتى فأر صغير .
في الغد أحضر دجاجة من كوخه وشواها، لكن قمر إحتالت عليه وسرقتها منه ،وكانت تأكل وتضحك كلّما سمعته  يسبّ ،إحتار الحارس ،فكلما وضع طعاما ،لاحظ أنه يختفي في دقائق ،ورغم بحثه في كل مكان فلم يجد شيئا سوى العظام ،في البداية إعتقد أن الجنّ هي التي تفعل ذلك ،حتى وجد يوما آثار أقدام صغيرة ،فقال في نفسه: هناك لصّ في البستان ،وسأعرف من هو ، وأجعله يدفع ثمن ما سرقه !!!
بدأ براقب كلّ شين بعين متفحّصة ،فلاحظ أنّ أحد الجمال يقف مع القطيع لكنه لا يأكل رغم وفرة الطعام،قال في نفسه: لعله شبعان ، في الأيام الموالية اكتشف ،أنّ بقية الجمال لا تقترب منه كأنّه ليس منهم ،زاد تعجبه ،وأخذ يراقبه من بعيد ،لكن قمر كانت ذكية ، وكلّ ما تراه تتظاهر  أنّها تسرح مع الجمال ،وتأكل مثلها الأعشاب.رجع الحارس لعادته في شواء اللحم ،وقال في نفسه :هل من المصادفة أنّني لمّا راقبت ذلك الجمل، لم يسرق أحد طعامي!!! أنا متأكّد أنّ وراءه سرّ وسأكشفه .
في أحد الأيام أتى السّلطان لزيارة بستانه ،وسأل الحارس عن أحوال الإبل ،فقال له : إنها بأحسن حال ،لكن أحدها يبدو غريبا في تصرّفاته ،وكلما أقترب منه يسرع بالاختفاء ،وأعتقد أنّه يسرق طعامي !!! ضحك الملك ،وقال : لعله أيضا يسرق خمرك ،إبتسم الحارس ،و أجاب : عندما تراه يا مولاي ستعلم أني أقول الصّدق ،إقتربا من الجمل الصغير، لكنّه إلتفت إليهما  ،وهرب بين الأشجار ،قال الملك : يبدو خبيثا، على عكس القطيع الذي لا يبالي بوجودنا ، إسمع يا رجل !!! أرسله إليّ ،سأضعه في حديقة القصر، فهي مليئة بالورود،و هناك بحيرة جميلة ،وسأرى ما يفعل عندما يجد نفسه بمفرده ...
...
حكاية #التّفاح_الحباري
الجزء الاول

#التفاح_الحباري
الجزء الثاني
وسأرى ما يفعل عندما يجد نفسه بمفرده ...
...

وجدت قمر نفسها في حديقة واسعة تسر العين فيه البط والإوز والأسماك الملونة ،والرياحين لكن ليس بها أشجار مثمرة ، لما أتو بها بقيت في ركن وكانوا يحملون إليها الأعشاب الجافة كل يوم فلا تقدر أن تأكلها، وأحسّت بالجوع فأكلت أوراق الشّجر،راقبها السّلطان يومين أو ثلاثة فرأى أنّها دائما منزوية في ركنها ،وقليلا ما تغادره، ثم نسي أمرها ،أحست قمر بغيابه فبدأت تتجوّل بحريّة في الحديقة، وتعوّد أبناء الملوك وجواري القصر على هذا الجمل الصغير ،ولمّا لاحظوا أنّه يحبّ طعامهم صاروا يقدّمون له الخبز والتّمر والتين ،وأصبح يمرح معهم ،وأحبّوه ، أصبحت قمر أحسن حالا ،وإمتلأ جسمها وزاد جمالها .
وفي الليل كانت تنزع جلد الجمل وتستحم في البحيرة ،وتمسح جسمها بالورود فتبقى رائحتها عطرة ،تمّ تضع الجلد الذي يمنحها الدفئ، وتنام حتى الصباح .في أحد الأيام حلم السّلطان حلما مزعجا ،ورأى فيما يراه النائم أنّ حيّتان حاولتا قټله ، لكن خرج طائر من الغابة، أنقذه  ،أصابه الأرق ،ولم يعرف تفسير هذه الرؤيا ،فنزل إلى حديقة القصر ،وجلس تحت شجرة أمام البحيرة ،وفجأة رأى الجمل يقترب من الماء ،ويلتفت يمنة ويسرة ،ثم يخلع جلده وتظهر تحته فتاة رائعة الجمال ،دهش السلطان من روعةوتمشط شعرها ،ثم شرعت في الغناء بصوت رخيم :
ليس هناك من يراني
لا أحد يعرفني
بعيدة في النهار
عن السّمع والأنظار
ظلام الليل ستار
يحفظ كلّ الأسرار
هناك في وحدتي
أعدّ أوراق الأشجار
وأناجي الأقمار
وغنت معها الجنادب و الضّفادع  ،ورقصت الأسماك الصّغيرة على الماء ،كان سحر قمر يصيب كل شيئ حولها فيجعله سعيدا ،وأحسّ السّلطان بنفسه تنبسط ،ويذهب عنه الغمّ ،وبقي في مكانه ،حتّى خرجت من الماء ودهنت جسدها بالورد كما تعوّدت أن تفعل ، ثم غطت نفسها بالجلد ،وذهبت في حال سبيلها ،لم يعد يشعر السلطان برغبة في النوم ،ولم تغادر صورة البنت خياله ،وشعر بالحب يتسلل لقلبه ،وإحتار ما يفعل ،وقال في نفسه: سأحكي لحكيم الزّمان ما وقع ،وأطلب نصيحته، فهو مؤدّبي منذ الصّغر ،ولا أخفي عنه شيئا .
في الصّباح أرسل أحد الخدم يحمل طبقا فيه خضار وإوزة مشوية وعنبا وأوصاه بوضعه في الرّكن الذي ينام فيه الجمل الصّغير، وعندما جاءت قمر لتستريح ،رأت الطعام ،فنظرت يمنة ويسرة ،لكنها لم تر أحدا ،فقالت في نفسها:  ويحي، لقد إنكشف أمرى !!! وأحسّت بالقلق، ولم تلمس الطبق رغم جوعها الشديد ،في المساء نزل السّلطان ،ورأى الطعام في مكانه ،فاغتمّ لذلك ،وأرسل في طلب الحكيم، ولمّا روى له قصّته ضحك ،وقال : جملك خائڤ ،ولن يأكل شيئا إلا إذا أحس بالأمان ،فسأله: وماذا أصنع إذا ؟ أجابه: إعمل له كوخا صغيرا في حديقتك ،وأعطه عطرا وثيابا، وإهد له زهورا كل صباح .
أعجبت الفكرة السّلطان ، ونفّذ ما قاله الحكيم .وعندما رأت قمر الكوخ ،إمتنعت عن دخوله ،لكنّها لاحظت كل يوم وجود باقة ورد جميلة ،وقالت: من صنع كل ذلك لأجلي لا ينوي سوءا ،فتشجعت ودخلت ، كانت هناك منضدة عليها سمك وخبز ساخن، فأكلت منه حتى شبعت ،ثمّ خرجت تتجوّل ،وقد طابت نفسها .
في المساء نزل السّلطان للحديقة ،ولما إقترب منها هربت ،واخذت تنظر له من بعيد ،قطف وردة حمراء ،ووضعها مع الورود أمام كوخها الصّغير ،فتعجّبت قمر، وقالت : إذا السّلطان يبدو مهتمّا بي ،هذا أمر لا يصدّق ،ثم أتى إليها، وهذه المرّة بقيت في مكانها ،وقال لها : لقد رأيتك تستحمّين في البحيرة، وأنا أحبّك وأريد أن أتزوّجك ،لست مجبرة على حمل هذا الجلد بعد الآن !!!  سأحضر لحما، وسنشويه معا ونتسامر، موعدنا هذه الليلة يا صبية !!! ضحكت ،وقالت : إسمي قمر ،أجاب: السّلطان وأنا جمال الدين ،لا تنسي أن تضعي الأثواب التي أهديتها إليك .
...

بينما كانت قمر واقفة تنظر إلى بنات الأعيان وهنّ يركضن، ويلعبن بسعادة مرّ بها رجلان، كان أحدهما رئيس الحرس ،والآخر لا تعرفه ،وكانا يعتقدان أنّها جمل ،لذلك كانا يتحدثان أمامها دون حذر .قال الرجل :إسمع !!! مهمّتك أن تفتح الباب السري الذي يأدّي إلى القصر، وتبعد الحرس عن غرفة السّلطان، وأنا سأقتله ،وسيأخذ أخوه مكانه ،فلقد ألغى كثيرا من إمتيازات الأمراء والوزراء ورجال الدّين ،لكي يبني الطرقات ،والجسور ،ويرمّم الأسوار،لقد كان والد السلطان ينفق علينا بسخاء ،ولم يكن يهمه شيئ إلا الملذات ،وكنّا نحميه من ثورات شعبه وهو يكافئنا .
الآن إنتهى كلّ شيئ مع إبنه نجم الدّين ،لقد إتفقنا مع أخيه المنصور على خلعه،،سأتسلل غدا لقټله ،و نحن نعرف كيف نكافئك ،،خذ هذه الصّرة من المال ، وإياك أن تنسى يا محمود هل فهمت ؟ كن حذرا ،لا يجب أن يحسّ بك أحد عندما تفتح السرداب !!!

يتبع الجزء الثالث......

#التفاح_الحباري
الجزء الثالث

كن حذرا ،لا يجب أن يحسّ بك أحد عندما تفتح السرداب !!!

سمعت قمر كلّ ما دار بين الرّجلين ،أدركت أنّ السّلطان في خطړ ،وأحسّت بقلبها يخفق ،لم تعرف هذا الشّعور من قبل ،كان بودّها لو تطير إليه ،وتخبره ما يدبّرون له في الخفاء ،لم تكن البنت  تدري أنّها عاشقة فلقد كان جمال الدين فتى وسيما يلوح عليه الحزم ،وبسرعة ربط الحب قلبيهما، في هذه اللحظة كان السّلطان يفكّر فيها أيضا ،وينتظر لقاءها بفارغ الصّبر .
في الليل نزلت قمر إلى البحيرة ،واستحمت، ومشطت شعرها ولبست ثوبا أبيض من حرير سمرقند ،ووضعت في رقبتها عقدا من اللؤلؤ ،وتجمّلت ،ثم جلست تنتظر السّلطان ،وقد ظهرت عليها اللهفة ،بعد قليل جاء جمال الدين ولمّا رآها إنحبس الكلام في حلقه من شدة حسنها وبياضها ،قّبل جبينها ،وقال :من اليوم مقامك بين الأميرات !!! هلمّ الآن للنشوي لحمنا ودجاجنا ،وأخبريني كيف سړقت دجاجة حارس البستان ؟ 
ضحكت قمر ،وقالت آه نعم، لقد إحتلت عليه، وأشبعني سبّا وشتما ،لا بدّ أن أعوّض له عن ما أكلته !!! أمضيا جزءا من الليل وهما يتنادمان ويضحكان ، حكت له عن قصتها ،وعن الحدأة التي خطڤتها عندما كانت صغيرة ،فتعجب منها، وقال : أما أنا فقصتي محزنة ، لقد إختار لي أبي فتاة من بنات الملوك لكني لا أشعر نحوها بالحب ،فهي مغرورة ،وهي كثيرا ما تلومني على مجالسة البسطاء، وتقول لي أن هذا لا يليق بك . 
أمّا أنت فقلبي يحسّ بالسّعادة معك ، الوقت الآن متأخر ،لا بدّ أن أنصرف  ،وغدا سأعطيك غرفة في القصر إن أردت !!! نظرت إليه بتردد ،وقالت:  أنت في خطړ يا جمال الدين  !!! رمقها بدهشة ،وسألها عن ماذا تتحدثين ؟ روت له ما سمعته في الصّباح ،فظهر على وجهه الاهتمام ،وقال هل بالإمكان أن تصفهما لي ؟ أجابت : أحدهما يرتدي ملابس الحراس ،والآخر يحمل وشما فيه حيّتين على ذراعه ،ضړب يده على جبينه وقال لها :لقد رأيت في المنام رؤيا مزعجة منذ أيام ،والآن عرفت تفسيرها : فالحيّتين هما ذلك الرّجل الذي يريد قتلي،أمّا الطائر الذي خرج من الغابة،و أنقذني هو أنت يا قمر ،ثم عانقها،و قبّلها .أحسّت قمر بأنفاسه،و دفئ شفتيه على وجهها ،وتمنّت لو يدوم ذلك ،لكن السّلطان كان قلقا ،وقال لها : أمامي وقت قصير لأتدبر الأمر، وإلاّ ضاع ملكي !!!
طلب من الحرّاس إيقاظ الحكيم من النوم ،وإحضاره على الفور ،ولمّا جاء فتح عينيه بصعوبة ،وسأل ماذا يحدث ؟ لا شك ان الأمر خطېر ؟ أجاب السّلطان أكثر ممّا تتصوّر، ثمّ حكى له قصّة الحلم، والحوار الذي سمعته قمر ،قال له الحكيم : لأنّك أمرت بترميم المساجد والزوايا، وما فسد من المدينة، فإنّ الله أرسل لك هذه البنت من آخر مملكتك لتحذّرك من مكائد القوم سبحان الله الذي جعل لك مخرجا وأنت لا تعلم .
أمّا الحلّ فهو أن ترسل في طلب الأمراء والقادة واحدا تلو الآخر، ثم تسجنهم ،وتنصب كمينا للحارس الذي سيفتح باب السرداب وللقاټل ذو الحيّتن ،لمّا أتمّ الحكيم كلامه تثائب، وقال للسّلطان: أمّا الآن فسأرجع لأنام ،وقبل أن أنسى، إذا قضيت على الفتنة ،فتزوّج من تلك البنت قمر، فأنت تحبّها، وهي أيضا تحبّك، كلنا نحسّ بذلك ...
...

في الصّباح أرسل جمال الدّين في طلب الأمراء والقادة، وأوصى رسله أن يأتون بهم واحدا بعد الآخر لكي لا يثير ريبتهم. ولمّا لاحظوا أنّه يعلم كل شيئ اعترفوا بخطيئتهم. كان السّلطان يسمع، وقد هالته المؤامرة، وفهم أنّ رأس الشرّ، هو أخاه المنصور الذي كان وليّا للعهد، لكنّ حكيم الزّمان نصح أباه باستبداله بالابن الأصغر، وعاب عليه الفسق وسوء التدبير، وكان يعلم أنّ أخاه لم يعجبه ذلك، وهدّد الحكيم بفقئ عينيه، وقطع لسانه لو آل العرش إليه، ونسي أنّه مؤدّبه..
ولماّ أحصى السّلطان من بقي مخلصا له، لم يجد سوى القلة من الأعوان ،كان مازال يثق في الحرس رغم خېانة رئيسهم ،وهم من المماليك الذين تربّوا في القصر ،وكان يلعب معهم عندما كان صغيرا ،نادى على سليمان وهو من أشجع مماليكه ،وروى له ما يحدث ،فأجابه : لا تقلق !!! فكلّ الحرس في صفك ،وهم لا يحبّون أخاك لغلظته ،سنقبض أوّلا على رئيس الحرس ،وذو الحيّتين، ثم نتدبّر أمر المنصور الذي سيجد نفسه وحيدا .
في الليل كان كلّ شيئ هادئا عندما تسلّل شبح إلى غرفة العرش حيث يوجد السّرداب ،ولقد حفروه لكي يتمكّن السّلطان من الهرب خارج المدينة في حالة الحصار، وفقط السّلطان ووليّ العهد يعرفان بسرّه، والمنصور هو من دلّ رئيس الحرس على مكانه ،ضغط محمود عن زرّ في قاعدة أحد التماثيل فتحرّك من مكانه ،وظهرت تحته فجوة ،وبعد قليل أطلّ منها رأس ،وما كاد ذو الحيتين يخرج حتى وقعت عليه شبكة ،ووقعت أخرى على رفيقه الخائڼ، وأحاط بهم الحرس وهم يصوّبون إليهم سيوفهم، وحرابهم ،جاء السّلطان ،وقال لمحمود : أمن أجل حفنة دراهم تبيع سلطانك  ؟ ألا تخجل من نفسك ؟ استغرب محمود ،وتساءل كيف عرف بالأمر فلم يكن في الحديقة سواهما وذلك الجمل الصغير، ثم ضړب رأسه بيده ،وتمتم : لم يكن جملا ،وإنما أحد عيون السّلطان ،لقد كنت مغفّلا !!!
قال ذو الحيّتين للسّلطان: والله ما دفعني إلى الخلاص منك سوى ما سمعته عن ضعف حيلتك، وقلّة همّتك ،وأنك لا تصلح لدفع أعدائنا من قبائل الشّمال، وقد تأكّد لي اليوم أنّي كنت مخطئا في حقّك، وأنا وقومي من سكّان جبل الحيّات سننحاز إليك، وهم من أقوى المحاربين، ولقد تعّودوا على العيش في جبلهم لا يخرجون منه إلا لحاجة، لكن اليوم سيبايعونك على الطاعة، بعدما ظهر لي من حسن رأيك وتدبيرك، وسأتحايل على أخيك وآتيك به إن وثقت بي!!!
ذهب الرّجل إلى المنصور، وأحضر سلة وضع فيها حجرا، وقال له: هذا رأس أخيك، ولم يبق إلا أن تذهب إلى القصر فهناك ينتظرك الأمراء والقادة، قال له: أحسنت صنعا، والآن سألقي بك في السّجن، ولما أجلس على العرش سأقتلك، فليس من عادتي أن أتركا شاهدا على أفعالي السّيئة، وسأغزو جبلك لأجبر قومك على دفع الضّرائب، ليس فقط لهذه السّنة ،بل أيضا السّنوات الماضية، ولتعلم أنّي لن أهادنكم كما فعل أبي، ولا أحتاجكم في جيشي، يكفيني أن آخذ ما عندكم من مال !!! حمد ذو الحيّتين الله أنه لم ېقتل السّلطان جمال الدين، وندم على غبائه، وتصديق أقوال المنصور.
جمع المنصور رجاله ،وقال لهم : ستثقبون سور حديقة القصر في الليل ،وتختفون وراء الأشجار .وفي الصّباح سأدعو الأمراء و القادة للنزول للحديقة للاحتفال بالنّصر، وعندما ترونهم أمامكم تطلقون سهامكم ،وتبيدوهم عن آخرهم، فأنا لا أثق بالخونة ،لقد أكلوا من خير أخي، ولو كانوا كراما لما خانوه ،أقتلوا أيضا الحرس ،فهم من المخلصين له ، وقرب القصر هناك جبّ كان أبي يرمي فيه اللصوص والقتلة، إقذفوا بهم هناك، واردموهم ،ولا تتركوا أيّ أثر لهم ،هل فهمتم ما قلته لكم ؟
كانت قمر نائمة في كوخها ،وفجأة سمعت صوت ضړب على السّور، فذهبت لترى ما يحصل ،فإذا ترى رجالا ملثّمين يتسلّلون إلى الحديقة ،شاهدها أحدهم، وقال: بعد إتمام مهمّتنا سنذبح هذا الجمل ،ويكون غدائنا ،أحسّت بالفزع ، فأخذت ثوبا أخفته تحتها، وهربت ،ولمّا وصلت قرب باب القصر، نزعت الجلد، ولبست الثّوب ،وبدأت تطرق بشدّة ،فتح الحرس الباب ،وقالوا لها :ويحك ماذا تفعلين هنا ،وكيف دخلت؟ أجابت لا وقت عندي لكي أشرح لكم ،خذوني إلى السّلطان !!! لكنّهم منعوها من الدّخول . 
كان جمال الدّين واقفا مع المملوك سليمان ،وسمع الضّجة ،فجاء وسأل ما الأمر ،قالوا له هناك جارية في الحديقة لا يعرفوا من أين أتت ،و ترغب في رؤيته . ما إن فتح الباب حتّى إرتمت في أحضانه ،وبدأت تبكي . أخذها إلى الدّاخل ،وأمر لها برداء، وضعه على كتفيها ،ثم سألها ماذا حصل يا قمر ؟ قالت بصوت متقطع : جاءوا لقټلك مرّة أخرى ،هم في كلّ مكان في الحديقة، إياك أن تنزل يا جمال الدّين !!!
...
يتبع

حكاية #التّفاح_الحباري
الجزء الرابع

كان سليمان ينظر إلى قمر، وهو يتساءل من تكون ،فهي جميلة جدّا، ثمّ قال: لم يجيئوا إلا ليخلصوا من مماليكك يا مولاي، والكل يعرف شدّة مراسهم، لهذا سيقتلهم أخوك غدرا ،ويستريح منهم. ونحن ممتنّون لهذه الجارية، وسأعلم رفاقي ليأتوا ويشكروها على شجاعتها . بعد قليل اصطفّ مائة من المماليك، وأحنوا لها رؤوسهم ،وقالوا: سنحارب من أجل مولاي وجاريته ،حتى آخر قطرة من دمائنا ،أضاءوا المشاعل، ولبسوا دروع الحديد، وخرجوا إلى الحديقة ،وطاردوا رجال المنصور بين الأشجار ،وكان الليل مضطربا تمزّقه الصّرخات ،وما إن أتى الصّباح حتى قتلوهم عن آخرهم ،كان إنتصارا عظيما لجمال الدين وقمر ،وهتفوا بإسميهما ،وقد أعجبهم الحبّ الذي بينهما ،صعدت قمر في الشّرفة وأنشدت :

مرحـى لأسـود البيـداء
خرجــوا لكميــن العـدوّ
في ليلة ساكنة دهماء
كـرّ و فـرّ فـي الهيــجـاء
..
تجالدوا بالسّيف ردحـا
صبـــروا لحـــرّ الدّمــــاء
أثخــنـوا فيــهم الجـــراح
و أبـلوا أحـســن البــلاء
...
طعنوهم في نحـرهم
طعـنـة ماحقــة نـجـلاء
فتـبّـا لهـم وللمنـصـور
من نعــاج رثّــة جربـــاء  !!!

طرب الحرس لهذا الشّعر، وتعجّبوا من فصاحة تلك الجارية، وقرعوا طبول الفرح ،ثم أخذ كلّ واحد مكانه كأنّ شيئا لم يحصل. بعد ساعات حلّ موكب المنصور، ودخل القصر، فوجد الأمراء والقادة في انتظاره ،فأحس بالبهجة ،وقال:  هلمّوا إلى الحديقة ،فلقد أحضرت الجواري الخمر ،وصنوف الأطعمة ،والحرس أيضا مدعوّون للوليمة .
فتحت الأبواب ،ونزل القوم إلى الحديقة ،فوجد المنصور رجاله متناثرين في كل ركن ،فإنزعج، وهمّ بالانصراف، لكنّه لمّا استدار وجد جمال الدّين ورائه ،فخاف ،وتراجع حتى كاد يسقط أرضا ،وقال : لقد رأيت البارحة رأسك في سلة ،فهل أنت حقيقة أم وهم ؟ أجابه : بل حقيقة ،والآن ستدفع ثمن جرائمك ،فأبي لم يحسن تأديبك ،ثمّ جرّه الحرس إلى الشرفة ،ورموا به فسقط ،وتحطّمت عظامه، ووضع السّلطان يده على كلّ ما في موكبه من أموال، وجواري، وعبيد ،والټفت إلى قمر، وقال لها : كل هذا سيكون مهرك ،وسأزيدك عليه !!!
ولمّا رأى الأمراء والقادة ما كان يدّبره لهم المنصور،أحسّوا بالخجل من السّلطان ،والتمسوا الصّفح منه، فقال لهم : من يرضى بخائڼ في صفوفه ،وبمن يباع و يشترى ؟ لقد كان أخى صائبا لمّا فكّر في عقابكم، لكن أنا أسامحكم ،ولا أريد أن أبدأ عهدي بدمائكم ، أترككم تعودون إلى بيوتكم ،وستفقدون مناصبكم، لكن ستعيشون .في الغد سمعت كلّ المملكة بما حصل، وعظم السّلطان الشّاب في أعينهم، وانتشرت قصته مع قمر في كلّ مكان، وامتدت إلى الممالك المجاورة ،وأرسل السّلاطين الوفود بالهدايا لقمر بعد ما بلغهم عن شجاعتها وحسنها .
بعد أيّام خرج المنادي ينادي في الأسواق : يا ناس .. يا أهل المدينة ،الأسبوع المقبل زواج الأميرة قمر والسّلطان جمال الدين .. ليعلم الحاضر الغائب !!! ففرح النّاس، وبدأوا في تزيين الشّوارع ،وتنظيف المدن والقرى ،وكلّ الناس شعرت بالسّعادة ما عدى إمرأة واحدة إسمها سميّة ،وهي الزّوجة الأولى للسّلطان . لمّا رأت جمال قمر ،وحبّ الرعية لها، أحسّت بالحقد عليها ،فلقد كانت تحبّ جمال الدّين، ولا تقبل أن تشارها فيه إمرأة أخرى ،وبدأت تدبّر للإنتقام منها ...

تنكّرت سميّة ،وذهبت إلى ساحرة عجوز تعرفها منذ طفولتها،وحكت لها قصّتها ،فضحكت ،وقالت لها: إذا وضعت ثمنا مناسبا فسأخلّصك من ضرّتك الحسناء ،وإمكانك التشفّي فيها كل يوم !!! سألتها :هيّا أخبريني عن ماذا تنوين عمله ؟ هذا ما أريده بالضبط ،وماذا ينفعني مۏتها ؟ فأنا لست مچرمة ،يكفيني أن تتعذب كما فعلت بي، وأطارت النّوم من جفوني .ثمّ رمت لها صّرة فيها ألف دينار ، فظهر السّرور والجشع على وجه العجوز ،وقالت : سأحظر لك غدا سحرا، دسّيه في طعامها ،وإذا أكلته فستصبح حمامة ،هل يرضيك هذا ؟ 
أجابت سميّة :هذا جيّد ،ستراني مع السّلطان ،وټموت كمدا ،أنت حقّا رائعة ،سآتيك كلّما إحتجت شيئا .في الغد أرسلت المرأة جارية لإحضار السّحر وأوصتها بوضعه في عصير العنب لكي لا تحسّ بمذاقه ،إنتظرت الجارية حتّى نزلت قمر إلى الحديقة وقدّمته لها مع الحلوى ،سألتها في العادة جاريتي ياسمينة هي التي تقدم طعامي ،ردّت عليها إنها مريضة وأوصتني أن أعوّضها اليوم،لم تنتبه  الفتاة أنّ الجارية تراقبها  من بعيد ،ولمّا شربت جرعة من القدح أحسّت بدوار شديد ،وسقطت على الأرض فإقتربت منها وألقتهاا تحت شجرة ،وبعد دقائق لاحت على الجارية إبتسامة صغيرة، فلقد تحولت قمر إلى حمامة بيضاء ،وقالت في نفسها يا له من سحر غريب، لا يحتاج مفعوله سوى لزمن قليل .
عندما إستيقظت  الفتاة وجدت جناحين مكان يديها ،والريش يكسو جسمها ،إعتقدت أنّها تحلم ،لكن لمّا نظرت لنفسها على ماء البحيرة الصافي إكتشفت أنها أصبحت حمامة ،صړخت وبكت ،لكن لم يهتمّ بها أحد، فالحديقة مليئة بالحمام وأصناف الطيور. أرادت أن ترى زوجها السّلطان ،فطارت ،ووقفت على نافذته ،كان يجلس حزينا ،عرفت أنّه يبحث عنها ،فبكت دموعا حارّة ،وتساءلت كيف ستناديه؟  فلقد أصبح لها صوت الحمام !!!
قالت في نفسها :سأنتقم أولا من سميةّ ،ثم أفكر في حلّ دخلت من نافذة المطبخ ،وأكلت حتى شبعت، ثم إختفت في باب القصر تنتظر غريمتها ،التي كانت تستحم وتصفف شعرها،ولما خرجت للحديقة لتروح عن نفسها إقتربت منها الحمامة ،وأفرغت جوفها على رأس المرأة ،ثم هربت ،ووقفت على شجرة عالية ،صړخت سميّة :الويل لك يا قڈرة ،ثمّ أمسكت عودا، وقالت :لو أمسكت بك لأدخلت هذا العود في مؤخّرتك !!! 
ضحك العبيد والجواري ،فڠضبت  ،وقالت لهم ويحكم !!! أعدّوا لي حمّاما فلقد أصبحت رائحتي مثل قنّ الدّجاج ،هيا أسرعوا أيها الحمقى ،ضحكت قمر : وقالت : سأجعل أيامك لا تطاق وسأجعلك تدفعين الثمن ،ذهبت سميّة في المساء إلى قيّم القصر، وطلبت منه التخلص من كلّ الحمام في الحديقة لكن قمر سمعتها ،وأخبرت أصدقاءها، وصاروا يختفون عندما يرون الصّيادين ،ولمّا علموا قصتها نصحوها أن لا تترك زوجها لضرّتها ..
أصبحت تذهب كلّ صباح ، وتجلس على النافذة تنظر إليه بعينيها الصغيرتين ،وتعوّد عليها السلطان شيئا فشيئا ،ولما أراد الخدم طردها منعهم، وذات يوم فتح النافذة ،وأدخلها ،ورأى أنها سعيدة جدا ،فكانت تقبّل وجهه وشفتيه بمنقارها،وتجلس في حجره ،وتستمتع بيده الحنونة تمسح على رأسيها ،أصبح يناجيها ويشتكي لها غياب حبيبته ،وهو لا يعرف أين هي ،مرّة دخلت سميّة ووجدتها على فراشها ،فصاحت ماذا يفعل هذا الحيوان في غرفتي ،هيّا أخرجه فورا ،تعجّب زوجها من ثورتها، وقال إنها فقط حمامة لطيفة ،وأنا أرتاح لمّا أراها !!!
قالت له : وأنا ألا أكفيك ؟ لا أستغرب أن تصادق الحمير والكلاب ،فبعد إختفاء تلك الجارية أصبح وضعك سيّئا يا مولاي ،أحسّ السّلطان بدموعه تنزل على خدّه فسميّة على حقّ،لقد فقد لذّة العيش بعد حبيبته قمر، حمل الحمامة في يديه ،وذهب إلى الكوخ في الحديقة ،فتذكّر أيّام السّعادة ،وأنشد :

لقد طال الغياب
أخبريني أنّك بخير
كلّ يوم أنتظرك
لمّا يتبدّد الضّباب
على حافّة الطريق
وعند الأبواب

لمّا أكمل شعره ،نظر إلى عيني الحمامة فوجد فيهما دمعتين كبيرتين ،فمسحهما ،وقال :هل تفهمين ما أقوله يا جميلة ؟ فحرّكت رأسها الصغير بالإيجاب،إبتهج كثيرا ،وقال نظرتك تذكّرني بحبيبتي، هل تعرفينها ،حركّت مرّة أخرى رأسها ،وبدأت ترفرف حوله بحبّ ،ثم نزلت على المائدة ،كان عليها بعض الغبار فمنذ مدّة لم يأت أحد للكوخ، فرسمت بمنقارها شيئا ،ولمّا رآه صاح من الدّهشة :لا يمكن.. غير معقول !!! هل هذا أنت ؟ ومن فعل بك هذا ؟ لا شك أنها سميّة ،هي شديدة الخبث .
أمضى السلطان ليلته في الكوخ مع الحمامة ،منذ أيام طويلة لم يحسّ بالسّعادة ،لكنّه كان يفكّر كيف ستستعيد شكلها، لا شيئ مأكّد كلما تعلق الأمر بالسّحر. في الصّباح طلب رؤية حكيم الزمان، وحكى له قصته ،قطّب الشيخ جبينه ،وقال :هذا سحر جماعة الثعبان الأسود، وهؤلاء القوم لم يعدوا موجودين على حد علمي ، وهم بارعون في السحر والطب لكن من المؤكد أن ساحرا واحدا على الأقل قد نجا من المحرقة  التي قام بها سلاطين مملكة جبل الشمس،ومن الغريب أنّ الأميرة سميّة من تلك البلاد، أجاب السلطان شكوكك في محلّها،و من اليوم سأراقبها خفية فهي من ستقودنا إلى الساحر ،والويل له لمّا أقبض عليه ...
...
يتبع

حكاية #التّفاح_الحباري
الجزء الخامس

اعطى السّلطان الحمامة قمر لحكيم الزّمان ،وطلب منه إخفاءها عنده ،ثمّ أخذ واحدة أخرى تشبهها وأصبح يحملها معه أينما، ذهب .وكان يعرف أنّ سميّة ستشكّ أنّه عرف الحقيقة ،وستحاول أن تتخلص من الحمامة بكل الطرق .دفع مالا لأحد جواريها ،وأوصاها بمراقبة حركات سيّدتها ،قالت سميّة في نفسها :كأنّه يحسّ بوجود سرّ وراء الحمامة ،وما هي إلا أياّم حتى يكتشف أنّها قمر !!! سأحاول أن أدسّ لها سمّا في الحوض الذي تشرب منه الطيور، وليس مهما أن ټموت كلّها فأنا لا أحبّها ،أمّا الأكل فلا سبيل إليه لأن السّلطان جمال الدين يطعمها مين طبقه . في تلك الليلة أرادت الحمامة الخروج لتشرب لكنها وجدت النافذة مغلقة، وفي الصّباح أخبر الخدم أنّ كلّ حمام القصر، وكذلك العصافير قد ماټت ،ولا نعرف سبب ذلك .
جاء حكيم الزّمان ،وفحصها ،ثم قال :السّبب هو الماء ،ردّ جمال الدين: أحمد الله أني أخفيت قمر، لم أكن أعرف أن لسميّة كلّ هذه القسۏة !!! من البداية لم أشعر ناحيتها بالحبّ ،لكن أبي أصرّ على زواجي منها. أمّا تلك المرأة فلما رأت أن الحمامة لا تزال حيّة جنّ چنونها ،وقالت الحلّ أن أذهب لتلك الساحرة لتعطيني شيئا لا تنجو منه تلك الحمامة اللعېنة ،ثم تنكّرت في زي الخدم ولما خرجت من القصر ركبت حصانا وذهبت ناحية مملكة أبيها التي لا تبعد سوى بضعة ساعات ،أبلغت الجارية السلطان بخروج سيدتها ،فطلب من عبيده أن يتبعوها دون أن تشعر، ويقبضوا على السّاحرة ،ويحضروها أمامه ،وأن يكمنوا لامرأته ويلبسوا زيّ قطاع الطّرق، ويأخذوا منها  الحصان، وكلّ ما تحمله .
لمّا وصلت سميّة لكوخ للسّاحرة في الغابة ،أخبرتها بقصّتها ،فقالت لها :الحبّ بينهما أقوى ممّا أتصوّر، لقد أصبحت قمر حمامة ،لكن السّحر لم يقدر أن يأثّر على قلبها ،فهي تحبّ جمال الدّين بكل جوارحها ،قالت المرأة: لم أقدر على الخلاص منها ،أريد شيئا ېقتلها حتى ولو اختفت عنده !!! ابتسمت العجوز وقالت :سأعطيك عقارا ترشّيه في القصر، وهو ليس مؤذيا للبشر، لكنّه ېقتل كلّ الحيوانات الصّغيرة كالجرذان والطيور، وحتّى الأرانب ،سألتها هل أنت متأكدة أنّه لن يضرّ أحدا من أهل القصر ؟ أجابتها كلّ التأكد ،فلن يحسّوا بشيئ .دفعت لها سمية صرة كبيرة من المال، وقالت لها : أريدك أن تأتي للعيش معي في القصر، وسأعطيك عملا ،فأنا أحتاج إليك لتواصلين تعليمي السّحر ،قالت الساحرة :أنا أيضا مللت من العيش وحيدة هنا فالغابة مليئة بالسّباع .
كان عبيد السلطان قرب الكوخ ،وسمعوا كل شيئ، ولمّا إبتعدت سميّة قليلا دخلوا ،وكمّموا فم السّاحرة، وحملوها معهم ،أمّا سمية فقد هاجمها  في منتصف الطريق رجال ملثّمون، سرقوا منها كل ما تحمله، وتركوها في الغابة ومشت حتى تورّمت قدميها ،ولم تصل إلا في المساء ،وقد ظهر عليها العطش والإعياء الشّديد . وجدت السلطان وأباه العجوز في إنتظارها ،ولما سألها الأب أين كنت يا إبنتي ؟ تلعثمت، ولم تعرف ما الذي تقوله ،قال السلطان وقد ظهر عليه الڠضب : أصلحي من شأنك، موعدنا غدا في قاعة العرش !!! أخبرتها أحد جواريها التي تثق بها ،أنهم أحضروا ساحرة من الغابة، فعرفت سميّة أنّها وقعت في الفخّ ،وعليها الهرب إلى قومها ،ثم إيجاد كڈبة مناسبة لتبرير مغادرة القصر ،كان هناك دهليز سري يقود إلى الخارج ،في الليل جاءت جاريتها وألهت الحارس الواقف أمام الباب ،أما هي فتسللت من الدهليز، وفي طرفه وجدت جاريتها تنتظر مع حصانين ،ومعها جراب فيه طعام وماء ،ثم سارتا وإبتلعهما الظلام .
في الصّباح أرسل السّلطان في طلب سميّة، لكنّه إكتشف أنّها هربت، أحضر السّاحرة التي إعترفت بكلّ شيئ ،وقالت له: إذا وعدت بعدم قتلي ،سأرفع السّحر عن إمرأتك !!! قال له أبوه :أنصحك بقټلها ،وسأزوّجك بأجمل جواري المملكة ،لكن السّلطان قال: إني أحب قمر، وإن لم ترجع كما كانت سأقتل نفسي ثم أخذ الخڼجر ،ووضعه على رقبته ،فصاح أبوه : أرجوك لا تفعل ذلك، حسنا سنكتفي بسجنها في أحد البيوت ونجري عليها نفقة ،قالت السّاحرة : أنا موافقة ،وسأصلح ما قمت به من أخطاء ،أخذت ريشة من ريش قمر وضعتها في ماء مع مسحوق أبيض، ثم صبّت الماء على الحمامة، وبعد لحظات شاهد الجميع صبيّة ليس في الدّنيا أجمل منها ،وسارعت أحد الجواري بوضع ثوب عليها ،نظرت قمر إلى نفسها ،وقالت هل هذه أنا ؟ ثم وضعت رأسها على الأرض ،وراحت في نوم عميق ،قالت الساحرة لما تستيقظ غدا ستكون في حالة جيّدة ،الآن أتركوها تنام ...

في الصّباح أحسّت قمر بقبلة دافئة على جبينها ،ولمّا فتحت عينيها ،شاهدت جمال الدّين جالسا بجانبها على الفراش ،وهو يحملق فيها،فإبتسمت، وسألته : لماذا تنظر إليك هكذا ؟ أجابها :لا أصدّق أنّك عدت كما كنت ،لقد إعتقدت أنّك ستبقين حمامة ،ولا أقدر أن أذوق طعم شفتيك ،قالت :وأنا أحسد الحمام على حرّيته، لقد إستمتعت كثيرا بالتّحليق فوق المروج الخضراء ،لقد رأيت حياة المخلوقات الصغيرة النمل، والدّيدان ،والفراشات إنّها تعيش بسعادة وليس مثلنا نحن البشر. وهي لا تعرف الجشع، ولا الحقد .
كان يستمع إليها بإنتباه ،ثم سألها فجأة :هل تعلمين أن سميّة قد هربت ؟ أجابت: لا أستغرب ذلك ،بعد أن انكشف أمرها ،فوراء جمالها هناك وجه قبيح كانت تخفيه عنا !!! قال السّلطان: كنت أحسّ بذلك، لهذا السّبب كنت أنفر منها ،قلبي لم يحبّها يوما، رغم أنني حاولت ذلك !!! غدا يحضر القاضي كي أطلّقها ،وأبي لم يعد يرغب في وجودها هنا ،فهي خدعتنا جميعا .
لقد حكت لي السّاحرة عن كل شيئ، وأنّ أجدادها كانوا يصنعون للملوك مرهما يجعلهم أكثر شبابا ،المشكلة أنّ هذا الدواء مركّب من غدد ينتزعونها من المۏتى ،والملوك لم يعودوا يكتفون بذلك ،وبدأوا يخطفون الأطفال لقټلهم ، كان سحرة الثّعبان الأسود ناسا شرفاء ،رفضوا رغبتهم ،وهربوا إلى الجبال ،لكن هناك خائڼ دلّ على مكانهم ،وفي الأخير تم إبادتهم، ولم تنج إلا هي ،لأنّها كانت تجمع الأعشاب بعيدا عن القرية .
وذات يوم كانت الأميرة تتجوّل في الغابة ،فسقطت ،وأصاب حجر ساقها، فخرجت لها من بين الأشجار ،وعالجتها وبمرور الوقت أصبحتا صديقتين وعلّمتها شيئا من السّحر حتى اليوم الذي تزوّجت فيه . قالت قمر: يا لها من حكاية عجيبة ،لو لم أظهر في حياتك، لواصلت سميّة تعلم السّحر حتى يجيئ اليوم الذي تسحرك فيه، وتصبح طيّعا بين يديها ،ردّ جمال الدين :لا أعرف كم من مرّة أنقذتني ،أنا ممتنّ لك بكلّ شيئ ،قالت قمر : وأنا أيضا لولاك لبقيت جملا آكل العشب في البادية !!!
أمّا سميّة فرجعت إلى أباها ،ولما رأته إرتمت عليه ،وبدأت في البكاء ،إنزعج الملك ،وسألها ماذا حدث ؟ :قالت إنّ السلطان وأبوه يستضيفان بعض سحرة الثعبان الأسود ،وهما يمارسان السّحر، ويستحضران الجنّ . ولمّا علمت بسرّهما ،حاولا قتلي ،فهربت !!! إبتلع الملك ريقه، وقال: هل أنت متأكّدة ممّا تقولين ؟ فلقد قتلنا كلّ أفراد هذه الجماعة ،ولم يبق أحد !!! أجابت :نعم ،وعلامة ذلك أنّهم يصنعون أكسير الحياة !!!
لم يعد لأبيها شك ،فلأجل هذا الدّواء أبادوا جميع السّحرة ،لكي لا يتكلموا عن الصّبيان الذين قټلهم الملوك ،أرسل أبو سمية رسولا إلى السّلطان جمال الدين وطلب منه تسليمه السّاحرة ،لكنه إعتذر ،ردّ أنّه أعطاها الأمان، ولا يمكنه التّراجع في وعده وأخبره من طلاقه من ابنته !!!
لمّا سمع ذلك جنّ جنونه وتأكد أنّ سمية أخبرته الصّدق ،أرسل إلى حلفائه وطلب منهم التجهّز للحرب ،فهو لن يسكت على الإهانة ،قالت سمية لأبيها: نسيت أن أقول لك أن لهذه السّاحرة إبنة إسمها قمر، ولقد تزوّجها السلطان ،وهي أكثر براعة في السّحر من أمّها ،و يجب قټلها أولّا !!! أجاب الملك  : سنحاصر المدينة حتّى يسلّم لي الإثنين ،وعندئذ سأحرقهما بيدي !!! قالت سمية  في نفسها : هل تعتقد قمر أنّها نجت منّي  ؟ لن يهدأ لي بال حتى أراها كومة رماد !!! أمّا السّاحرة ، سأتسلل ليلا، وأطلقها لأنّها معلّمتي ..وستعلمني كيف أصنع الأكسير ليزيد جمال وجهي ...
...

إقترب جيش أبو سميّة من المدينة ،وما إن سمع السّلطان جمال الدّين الخبر حتى أمر بملئ المخازن بالحبوب، وإغلاق الأبوب.ثمّ أرسل في طلب أبيه ،ولمّا حضر سأله :ما الرّأي عندك ؟  أجابه : إنّه يريد السّاحرة ،وأعتقد أنّنا يجب تسليمها له ،فليس لنا قدرة على حربه !!! قال السّلطان:  لو فعلنا ذلك لأحسّ بضعفنا ،وطمع في ملكنا .بينما هما يتجادلان ،دخل الحاجب ،وقال له :مولاي رسول بالباب يريد مقابلتك ،فأذن له بالدّخول ،وقال لجمال الدّين : يخبرك سيّدي إنّه لو سلّمت السّاحرة وإبنتها قمر ،فسنرجع من حيث أتينا ،ولا حاجة بنا لحربكم !!! دهش السّلطان ،وردّ عليه :أترك لي يوما أفكّر فيه .
عرف جمال الدّين أنّ سميّة كذبت على أبيها ،لټنتقم من قمر،حتّى ولو أشعلت حربا وأهلكت الزرع والضّرع .في هذه الأثناء كانت الأميرة جالسة في مقصورة الحريم ،وسمعت كل شيئ ،ولمّا إنصرف الرّسول ،قالت لزوجها :إسمع يا مولاي : كيد النّساء لا تغلبه إلا النّساء ،فدعني أذهب إليهم ،وأتدبّر الأمر !!! إنزعج السّلطان ،وردّ عليها : لو سلّمتك إليهم لقتلتك سميّة بيديها ،لا تقلقي، أمامي بعض الوقت لأجد حلاّ .
قالت له :سأخبرك بما أنوي فعله لمّا أكون عندهم !!! وشرعت تتكلّم ،والسّلطان ينظر إليها بإهتمام، ويهز رأسه ،ثمّ إبتسم ،وهتف : حيلة مدهشة ،لكن سيتوقّف نجاحها على براعتكما في التّنكر،فإن كان ذلك جيّدا سأتركما تذهبان ،هيّا أنا بإنتظاركما قرب أبواب المدينة .
كانت قمر مولعة بالحكايات ، وتعوّدت أن تذهب للسّاحرة العجوز لتقصّ عليها أخبار الجنّ والسّحرة والأغوال، وحكت لها ذات مرّة عن الأكسير الذي يردّ الشّباب ،وقالت أنّه صعب التّركيب، وأيّ خطأ يجعل الإنسان يهرم في دقائق .و أنّ سميّة تلحّ  لتتعلم كيفية صنعه !!! كانت قمر تعلم أنّ غريمتها لن ټقتل السّاحرة ،لذلك إقترحت على جمال الدّين أن تأخذ مكانها، وتضع سحرا يجعلها تبدو أكبر سنّا ،وتلبس ثيابها ،أمّا هي فتحلّ محلّها جارية  شقراء تضع هندامها وعطرها ،سيعتقدون في ظلمة الليل أنّها قمر ،ويحبسونها .
رأت قمر أنّه من الأصلح أن تنفذ الخطة بنفسها، فسميّة شديدة الخبث،لكن  تعرف كيف ټخدعها .و ما عليها إلا أن تعطيها أكسيرا رديئا لها ولأبيها، فيهرمان ،ويجد الجيش نفسه مضطرا للرّجوع إلى المملكة لإختيار سلطان جديد !!! ثم وضعت في جيبها قنينتين من الأكسير، إحداهما رديئة،ورافقتها الجارية التي تحوّلت لأميرة رائعة الجمال ،ولمّا وصلتا إلى باب المدينة إقتربتا من السّلطان، وسلمتا عليه، فتعجّب منهما، وقال للجارية: والله لو لم أكن أعرف حيلتك لإعتقدت أنّك قمر !!! 
إتجهت المرأتان إلى الخيام المصفوفة أمام الأسوار،ولما رآهما أبو سميّة قادمتين ،فرح وقال في نفسه : السّلطان لا حول له ولا قوة  ،وينقصه الحزم،  وإلاّ لما سلّمهما .غدا سنهاجم المدينة ،ونأخذهم على حين غرّة، وأعلّم جمال الدّين الأدب مع بنات الملوك !!!  ولمّا أرجع منتصرا سأتمّ المهمّة التي بدأ فيها أجدادي، وهي قتل كلّ سحرة  جماعة الثّعبان الأسود .
إقتربت سميّة في الليل الى الخيمة التي سجنت فيها المرأتان ،وسقت الحرس جرة خمر معتّقة، ،ولمّا ناموا تسللت داخلها ،ثم أخرجت قمر، وهي تعتقد أنّها السّاحرة . ثم ذهبا إلى طرف الغابة ،وقالت لها سميّة : سأطلقك الآن ،إرجعي إلى كوخك !!!وسآتي إليك . قالت قمر: لقد صنعت لك ولمولاي السلطان قنّينة من الأكسير هدية لكما ،وسأعلّمك أسراره .
لكن سميّة شكّت أن يكون في الأمر خدعة ،فلقد كانت السّاحرة حريصة جدّا على سرها، فلماذا الآن كل هذا الكرم ؟ قالت لها : حسنا جرّبيه على نفسك وسنرى !!! أخرجت قمر القنّينة ،ودهنت وجهها بذلك الزيت ،وبعد دقائق زالت التّجاعيد ورجع إليه شبابها ، كانت الغابة مظلمة لا يضيئها إلا مشعل صغير لذلك لم تعرفها ،صاحت سميّة :مدهش ،والآن هات الأكسير  !!!لكن قمر غافلتها، ومدّت لها القنّينة الرّديئة .
دخلت سميّة على أبيها ، وكانت تعلم أنه يكره السّحر ،وقالت له: لقد حصلت على دواء يجعل الوجه أكثر صفاء ، سأضع شيئا منه على وجهي، ثمّ قبّلت  والدها على خدّه وخرجت. وبعد دقائق رجعت تجري ،وهي تصرخ فلقد إبيضّ شعرها، وشحب لونها ،ولمّا نظرت لأبيها السّلطان ،وجدت أنّه أصبح عجوزا هرما لا يقوى على الوقوف .
أمّا قمر فانتظرت قليلا في الغابة، ثم رجعت للخيمة وهي تحاذر أن يراها أحد ،وكان الجنود لا يزالون نياما، ففكّت وثاق الجارية،وأخرجتها ،ورجعا إلى المدينة ...
...
يتبع

حكاية #التّفاح_الحباري
الجزء السادس والنهايه

لمّا رأى قادة الجيش ما حلّ بالملك وإبنته ،قالوا هذه لعڼة من السّاحرة وإبنتها !!! ولمّا ذهبوا إلى الخيمة لېقتلوهما ،وجدوا الجنود نياما على الأرض، ولا أثر لهما .فقالوا : سنقتسم المملكة فيما بيننا ،ونرحل بسرعة ،قبل أن تظهران من جديد وټنتقمان منا ،أمّا الملك وسميّة فسنتركهما هنا ،فهما ملعۏنان ،ولم يكن المجيئ إلى هنا لمطاردة السّحرة فكرة جّيدة .
ثم قلعوا خيامهم ،ورحلوا بسرعة ،كان جمال الدين وأباه يتفرجان من فوق الأسوار ،وقد لاحت عليها الغبطة لانتصارهما ،قال الأب: هذه المرة لن يرجعوا لغزونا ،فلقد تبعثر أمرهم ،ودون ملك قوي لا يمكنهم أن يتجمّعوا من جديد!!!  أمّا الآن فأريد أن رؤية جاريتك قمر لأشكرها ،فلقد قامت بمفردها بما عجزت أنا عليه ،وبعد عدّة حروب معهم ،اضطررت لمهادنتهم، وتزويجك إبنة ملكهم، حقا إنّها صبيّة رائعة، فلقد أحببتها منذ أن رأيتها أوّل مرة !!! إسمع:  لقد كان لجدّتك قلادة ثمينة من اللؤلؤ ،احتفظت بها طول حياتي ،سأهديها لها ،فلا أحد يستحقّها غيرها .
في الليل رأت قمر في حلمها امرأة تغنّي ،ولمّا أفاقت في الصّباح ،قالت: يا له من حلم غريب ،فلقد كان وجهها حزينا ،ولم أنس ذلك اللّحن، فلا يزال صداه في آذنيّ ،لكن من تكون ؟ ذهبت إلى السّاحرة ،وسألتها عن تلك الامرأة ،فقالت لها :سيحدث شيئ متعلّق بالماضي ،لا أقدر أن أقول لك بالضّبط ماهو !!! 
بعد أيام كانت قمر تتجول في حديقة القصر ،وإذا بها ترى حمامتين واقفتين على أحد الأغصان ،وقد لاح عليهما التّعب ،قالت الأولى للثانية :لقد إمتلأت الغابة بالعقبان والحدأ، ولم يعد يمكننا أن نأكل طعامنا بسلام !!! سألتها الثّانية :ماذا حصل لتكثر هذه الجوارح عندنا ؟ أجابتها:  لقد قطع أهل قرى الجبل الأبيض الأشجار العالية ،ليزرعوا مكانها الزيتون ، لذلك جائت ،وعشّشت هنا .
إستمعت قمر باهتمام،فلقد صارت تفهم لغتهم، وقالت :قد يكون لذلك علاقة بالحلم ،وبالماضي الذي سيعود، فلقد ربّتني حدأة على شجرة عالية ،غدا أذهب للغابة ،وأرى هناك ،ربما أجدها ،ومن السهل العثور عليها فهي لصّة تسرق كلّ ما تجده.
في الصّباح الباكر خرجت إلى الغابة ،وتعجبت من كثرة أعشاش الحدأ  ،وقالت في نفسها :يبدو أنّ القوم أفرغوا الجبل من الأشجار ،لتأتي كلّ هذه الطيور إلى هنا !!! عليّ أن أطلب من جمال الدّين إرسال بعض غلمانه لينظروا وسط الأعشاش،فإن وجدوا أشياء لامعة في أحدها، فهو عشّها ،لكن لا شيئ مأكّد ،فرّبما ذهبت لمكان آخر ،أو ببساطة لم ترحل !!! 
ولمّا كانت غارقة في التفكير سمعت من بعيد أصواتا غاضبة ،وأقدام تجري، ثم شاهدت طيرا يحمل شيئا في منقاره ،ويختفي بين الأشجار ،وبعد قليل شاهدت الناس يصيحون : ويحك أيّتها اللعېنة، لو قبضنا عليك لنتفنا ريشك !!! لما إقتربوا منها ،سألوها إن مرّت بها حدأة ؟ فقالت : نعم ،لقد ذهبت من النّاحية الأخرى . ولمّا إبتعدوا جاءت إلى الشّجرة التي إختفت فيها الحدأة ،وقالت لها :بإمكانك الخروج ،فلقد أنقذتك منهم .
أطلّت الحدأة من العشّ ،ثم قالت : وهل تنتظرين مكافئة  ؟ هيّا اغربي عن وجهي ،ردّت قمر :لم تتغيري ،فلسانك بقي قبيحا كعادته ،قالت الحدأة : صوتك ليس غريب عليّ، كأنّي أعرفك !!! دعني أفكّر قليلا، ثمّ قالت : هل يمكن أن تكونين قمر التي ربّيتها في عشّي ؟ تساقطت دموع  البنت من عينيها ،وأجابت: نعم يا أمّي الحدأة ،أنا هي إبنتك....
...

نزلت الحدأة من الشجرة ،وقبّلتها، وحضنتها ،ثم قالت :لقد ندمت لمّا طردتك وبحثت عنك في البراري كان من الأفضل لو أخذتك ورحلنا ،فلقد كثر الناس ،وانتهى بهم الأمر إلى قطع الأشجار ،ونبش أعشاشنا، وقتل فراخنا ،لقد مضت بضعة أشهر منذ فراقنا والآن أخبريني ماذا تفعلين فهنا ؟أجابتها قمر أنا سيّدة هذه الغابة وكل الأراضي والجبال التي حولك ،أجابت الحدأة إذن أنت الأميرة قالت قمر نعم ،وسأعرّفك على السّلطان جمال الدين ،والآن هيا اتبعيني إلى حديقة القصر .
لمّا وصلت نادت زوجها ،فأطل من الشرفة وسألها ما الأمر ؟ أجابته هناك مفاجأة في إنتظاك ولما نزل قالت له هل تتذكّر الحدأة التي أخبرتك أني كبرت في عشها ؟ رد نعم أذكرها جيدا ،قالت إنها هناك فوق ذلك الغصن وقد عثرت عليها في الغابة ،ثم قصّت عليه حكاية الحلم،تعجب السلطان وقال لها : إذن ستقودك إلى قريتك، وسترين أمك وأباك بعد كل هذه السنوات ؟ أجابته بفرح : نعم ،وقد وعدتني بذلك على شرط!!! سألها ما هو ؟ أجابت : أن تصنع لها عشا كبيرا في حديقتك ،وتملأه بالقطع الفضيّة ،ضحك، وقال: حسنا أنا موافق ،سآمر غدا بإعداد عربة ،ونتبع الحدأة .
في الفجر إنطلق الموكب ،كانت قمر متحمسة ،وتتساءل هل سيعرفان أنّني إبنتهما ؟ لا شك أنّهما نسياني بعد كل هذه السنوات !!! بعد الزوال وصلوا إلى الجبل الأبيض ،ولاحظت قمر أنّ الأشجار لم تعد كثيرة كما قبال وهناك كثير من المزارع الصغيرة ،واصلو تقدمهم حتى دخلوا أحد القرى وكانت الناس تنحني لتحية السلطان والأميرة ومن أحد النوافذ شاهدت قمر امرأة تغني بحزن :
أين أنت يا ابنتي
يا طعم التفاحة
يا وردتي الفوّاحة
خطڤتك الحدأة
لم أرك تكبرين في داري
وتلعبين في السّاحة
حزينة من أجلك أنا
لم أعرف البهجة
لم أعش يوما مرتاحة
ليتني أراك يا قرة عيني
يا قمر الليل الجميل
والنّجمة الوضّاحة
لما إقتربت منها شهقت ،فلقد كانت نفس المرأة التي رأتها في حلمها ،وهذا اللحن كانت تسمعه في الظلام مع كلمات غامضة ،ولم تكن تعرف من أين تأتي هذه الأغنية ،والآن علمت أنّ أمّها هي من كانت تغنّيها كلّ ليلة ،وتسيل دموعها الحارّة على الأرض ،صاحت قمر :أمّي أنا هنا!!! لقد سمعت نداءك وجئتك ،توقفت المرأة عن الغناء ،وشاهدت أمامها بنتا جميلة، ومعها حدأة سوداء ،ففتحت الباب، وخرجت إليها، وهي تصيح إبنتي ..إبنتي، الحمد لله أنّني رأيتك قبل أن أموت .
ثمّ خرج رجل يتوكّأ على عصا ،ولما رآها ،وقف فجأة ،ورماها من يده ،وقال: منذ فراقك ،وأنا أعاني من المړض ،لكن اليوم شفاني الله. سمع أهل القرية بالقصة ،وجروا ليشاهدوا أميرتهم قمر التي حمل بها أبوها في جنبه ،وربّتها الحدأة ،رجعت قمر إلى القصر ،وأخذت معها أباها وأمها ،والحدأة التي ربتها وعاشوا معا في حبّ ووئام.
لكن في الغابة تسلّل شبح ،إنها سميّة اللعېنة ،فلمّا تركها الجيش ،وماټ أبوها من الهرم ،ذهبت إلى كوخ السّاحرة وسط الغابة،وفي مخبأ سري وجدت ذات يوم كل كتب السّحر القديمة ،فبدأت بقرائتها ،وبعد أشهر تعلّمت كلّ شيئ ،وقالت في نفسها : لقد حان الوقت للإنتقام يا قمر!!! هذه المرّة لن تهربي منّي ...
...
إنتهت الحكاية أرجو أن تكون قد نالت إعجاب السادة القراء